محمود أبو رية
157
شيخ المضيرة أبو هريرة
جذور الأموية : إن قيام الدولة الأموية له جذور عميقة تضرب في أحشاء الزمن البعيد في الجاهلية ، يجب على كل من يتصدى لتأريخ هذه الفترة من الزمن أن ينفذ إليها ويتعمقها ، وأن يصورها تصويرا صادقا ، ثم يعرض صورتها جلية على الناس - وهذه الجذور ترجع إلى ما كان من شنآن متأصل في صدر بنى أمية لبني هاشم قبل الاسلام ، وظل هذا الشنآن يؤج بينهما على مد الزمن نارا وسعيرا ، حتى إذا ظهر النبي ( ص ) بدعوته ، كان هؤلاء القوم أسرع الناس إلى معارضته ، والتصدي لدعوته ، فعاجلوه بالمعارضة ، وتولوه بالأذى حسدا من عند أنفسهم ، ولم يذروه ينشر دعوته ، ويبلغ رسالته ، بل أضرموا عليه حربا ضروسا ، اتصلت بينهم وبينه حوال عشرين سنة إلى أن فتحت مكة بنصر الله ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، ولم يجد أبو سفيان الذي كانت له الزعامة في قريش بعد أن قتل صناديدهم في وقعة بدر - مناصا من أن يستسلم وأن يسلم مرغما هو وأولاده ، ومنهم معاوية . . ولما كان إسلامهم هذا ظاهرا لم يجاوز حناجرهم ، ولما يدخل الايمان في قلوبهم ، فقد ظلوا على ما بأنفسهم ، مضمرين بغضهم القديم ، ومقتهم الموروث ، وما أربى عليه من حقد جديد يأكل صدورهم - أن تظهر النبوة في بني هاشم أعدائهم ، وأن أيقنوا أن دعوة هذا النبي ستقضي إلى الأبد على نفوذهم بمكة التي كانت يومئذ خالصة لهم ، وتمحو سيطرتهم على أهلها ، ولبثوا من أجل ذلك كله يتربصون بالنبي الدوائر ، ويرتقبون أن تتاح لهم فرصة فيعيدوا الكرة لكي يستعيدوا مجدهم الذاهب ، ويستردوا نفوذهم البائد . وما إن لحق النبي بالرفيق الاعلى حتى أسرعوا إلى إشعال نار الفتنة ليعيدوها جذعة ، ولكنهم خابوا فيما كانوا يبتغون ، وحاق بهم ما كانوا يمكرون ، إذ لم يدع لهم أبو بكر وعمر وعلى أي منفذ إليه ينفذون ، إلى أن قتل عمر بمؤامرة أثيمة ، وهنالك أماطوا عن وجوههم أقنعة النفاق ، وأخذوا يسعون بكل ما استطاعوا في سبيل قيام دولة منهم بعد أن طال ارتقابهم ، وشد من عزمهم أن استخلف